يحلّل باحثو مؤسسة كارنيجي تداعيات الهجوم الأميركي على فنزويلا، ويرون أنه كشف تحوّلًا في السياسة الخارجية الأميركية نحو استخدام القوة الصلبة، وأثار تساؤلات حول احترام القانون الدولي وسيادة الدول. ويشير التحليل إلى أن إعطاء أولوية لتأمين وصول واشنطن إلى النفط والموارد الفنزويلية، مع تلميحات إدارة دونالد ترامب إلى طموحات إقليمية في أماكن أخرى، عزّز قلقًا دوليًا من ابتعاد الولايات المتحدة عن النظام القائم على القواعد لصالح منطق القوة.

 

تذكر مؤسسة كارنيجي في هذا السياق أن قراءة بكين لهذه الخطوة تختلف عمّا يفترضه كثيرون. لا تقلّل النخب الصينية من أثر كسر القواعد، بل تعيد حساباتها الأمنية على ضوء استعداد واشنطن لاستخدام القوة عندما تواجه خصمًا أضعف.

 

تآكل القيود المعيارية

 

يرى التحليل أن الاعتقاد السائد بأن الدول غير الليبرالية لا تكترث بالقانون الدولي يبالغ في التبسيط. يحتاج الفاعلون السياسيون، حتى في الأنظمة السلطوية، إلى الشعور بالشرعية الأخلاقية. تبني هذه الأنظمة سرديات داخلية تُقنع الجمهور بأن سياساتها مسؤولة وعادلة، بل وأفضل أخلاقيًا من سياسات الديموقراطيات الغربية. في هذا الإطار، يتيح تقبّل المجتمع الدولي لخطوات أميركية مثيرة للجدل خفض عتبة السلوك المقبول لدى قادة سلطويين، ويحوّل المعايير من مطلقة إلى مقارنة نسبية: يكفي ألا يبدو السلوك أسوأ من سلوك الغرب.

 

يفقد هذا التحول أصواتًا صينية كانت تراهن على الحوكمة الديمقراطية. يقدّر بعضهم اليوم ما يرونه استقرارًا وفعالية في الحكم السلطوي حين تتقدّم القوة على المعايير. ومع انحسار النقاش الداخلي، تميل السياسة الأمنية الصينية إلى مزيد من الحزم والثقة الذاتية، ما يضعف فرص تسوية طويلة الأمد مع واشنطن.

 

تايوان بين الردع والتقبّل الدولي

 

تتجه بكين، وفق التحليل، إلى تجاوز الاكتفاء بالحفاظ على الوضع القائم في تايوان نحو السعي النشط إلى التوحيد. ورغم استعدادات الإكراه العسكري، تظل ردود الفعل الدولية عاملًا حاسمًا في الحسابات الصينية. لا ترى الصين أن السيطرة العسكرية على تايوان تنتهك القانون الدولي لأنها تصنّف الجزيرة شأنًا داخليًا. ومع ذلك، تعزّز مشاهدة تقبّل العالم لخطوات أميركية حديثة الاعتقاد بأن تحركًا حاسمًا ضد تايوان—قد يبدأ بإجراءات تُقدَّم كـ«إنفاذ قانون»—قد يلقى قبولًا أوسع مما يُتوقع.

 

تشير القراءة إلى أن قوة الرد الدولي ستحدّد كلفة أي تحرك. يفرض ائتلاف تقوده الولايات المتحدة عقوبات وعزلة قد تُقيِّد قدرة بكين على خوض حرب مطوّلة، بينما يظل القبول الدولي ضروريًا لإدارة ما بعد الصراع والحفاظ على بيئة خارجية مواتية لهدف «النهضة الوطنية» بحلول 2049. كما يلاحظ التحليل تشابهًا بين توصيف واشنطن لعمليتها في فنزويلا كإنفاذ قانون وبين توصيف بكين لتحركاتها قرب تايوان، ما يعزّز توقع الاستقالة الدولية بدل المقاومة المنسّقة.

 

مقايضات استراتيجية في نصف الكرة الغربي

 

يفتح سعي ترامب لهيمنة أميركية في نصف الكرة الغربي نافذة مقايضة محتملة. تدرس بكين، المهتمة بتخفيف القيود التقنية وبمواقف واشنطن من تايوان، إمكان تهدئة تنافسها في أميركا اللاتينية مؤقتًا. ورغم إصدار الصين ورقة سياسات رفيعة المستوى للمنطقة، توحي نبرة ردّها الحذرة على عملية فنزويلا بأنها تُبقي خياراتها مفتوحة، وقد تُخفّف حدة المنافسة حول الموانئ الحساسة قرب قناة بنما إذا رأت مكاسب مقابلة في شرق آسيا.

 

يتوقف القرار الصيني بين المسايرة والمواجهة على عاملين: استعداد واشنطن لتقديم تنازلات آسيوية، وتقدير بكين لما إذا كانت الهيمنة الأميركية الإقليمية ستقوّي تنافسية الولايات المتحدة على المدى الطويل أم ستستنزفها. إذا رأت القيادة الصينية أن الانخراط الأميركي سيثقل كاهله، فقد تميل إلى الصبر وضبط النفس، واعتبار الزمن والاتجاهات البنيوية في صالحها.

 

يخلص التحليل إلى مسار عالمي أكثر ميكافيلية: تكثر الصفقات، ويتعمّق انعدام الثقة، وتتراجع فرص التعاون المتين. ومع انتشار الخطاب المتصلّب والثقة الأخلاقية الزائدة على الجانبين، ترتفع مخاطر سوء الحسابات. قد تبدو «النمور الورقية» واهنة، لكن أنيابها قادرة على الإيذاء.

 

https://carnegieendowment.org/emissary/2026/01/china-venezuela-taiwan-trump-security?lang=en